ابن الجوزي

248

زاد المسير في علم التفسير

أحدهما : أن الأولى كانت في المنام ، والثانية في اليقظة . والثاني : أن الأولى للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] خاصة ، والثانية له ولأصحابه ، فإن قيل : تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى ، لمكان إعزازهم ، فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنهم لو كثروا في أعينهم ، لم يقدموا عليهم ، فلم يكن قتال ، والقتال سبب النصر ، فقللهم لذلك . والثاني : أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب ، فإذا تحقق القتال ، وجدهم المسلمون غير مستعدين ، فظفروا بهم . والثالث : أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم ، فيغلبهم المسلمون ، فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق . يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( 45 ) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ( 46 ) قوله تعالى : ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ) الفئة : الجماعة . ( واذكروا الله كثيرا ) فيه قولان : أحدهما : أنه الدعاء والنصر . والثاني : ذكر الله على الإطلاق . قوله تعالى : ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا . قوله تعالى : ( وتذهب ريحكم ) وروى أبان : " ويذهب " بالياء والجزم . وفيه أربعة أقوال : أحدها : تذهب شدتكم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال السدي : حدتكم وجدكم . وقال الزجاج : صولتكم وقوتكم . والثاني : يذهب نصركم ، قاله مجاهد ، وقتادة . والثالث : تتقطع دولتكم ، قاله أبو عبيدة . وقال ابن قتيبة : يقال : هبت له ريح النصر : إذا كانت له الدولة . ويقال : له الريح اليوم ، أي : الدولة . والرابع : أنها ريح حقيقة ، ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله فتضرب وجوه العدو ، ومنه قوله عليه السلام : " نصرت بالصبا " ، وأهلكت عاد بالدبور " وهذا قول ابن زيد ، ومقاتل . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله